عبد الله بن أحمد النسفي

421

مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )

[ سورة النحل ( 16 ) : آية 69 ] ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ( 69 ) باعتبار هذا ، ومن في من الجبال وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ يرفعون من سقوف البيت ، أو ما يبنون للنحل في الجبال والشجر والبيوت من الأماكن التي يتعسّل « 1 » فيها للتبعيض ، لأنها لا تبني بيوتها في كلّ جبل وكلّ شجر وكلّ ما يعرش ، والضمير في يعرشون للناس وبضم الراء شامي وأبو بكر . 69 - ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ أي ابني البيوت ثم كلي كلّ ثمرة تشتهينها فإذا أكلتها فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ فادخلي الطرق التي ألهمك وأفهمك في عمل العسل ، أو إذا أكلت الثمار في المواضع البعيدة من بيوتك فاسلكي إلى بيوتك راجعة سبل ربّك لا تضلّين فيها ذُلُلًا جمع ذلول ، وهي حال من السبل ، لأنّ اللّه تعالى ذلّلها وسهّلها ، أو من الضمير في فاسلكي ، أي وأنت ذلل منقادة لما أمرت به غير ممتنعة يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ يريد العسل لأنه مما يشرب تلقيه من فيها مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ منه أبيض وأصفر وأحمر من الشباب والكهول والشيب ، أو على ألوان أغذيتها فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ لأنه من جملة الأدوية النافعة ، وقلّ معجون من المعاجين لم يذكر الأطباء فيه العسل . وليس الغرض أنه شفاء لكلّ مريض ، كما أنّ كلّ دواء كذلك ، وتنكيره لتعظيم الشفاء الذي فيه ، أو لأنّ فيه بعض الشفاء ، لأنّ النكرة في الإثبات تخصّ ، وشكا رجل استطلاق بطن أخيه فقال عليه السّلام : ( اسقه عسلا ) فجاءه وقال : زاده شرا ، فقال عليه السّلام : ( صدق اللّه وكذب بطن أخيك اسقه عسلا ) فسقاه فصح « 2 » ، وعن ابن مسعود رضي اللّه عنه : ( العسل شفاء من كلّ داء ، والقرآن شفاء لما في الصدور فعليكم بالشفاءين القرآن والعسل ) « 3 » . ومن بدع الروافض أنّ المراد بالنحل عليّ وقومه ، وعن بعضهم أنّ رجلا قال عند المهدي : إنما النحل بنو هاشم يخرج من بطونهم العلم ، فقال له رجل : جعل اللّه طعامك وشرابك مما يخرج من بطونهم ، فضحك المهدي ، وحدّث به المنصور فاتخذوه أضحوكة من أضاحيكهم إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ في عجيب

--> ( 1 ) في ( ز ) تعسل . ( 2 ) متفق عليه من حديث أبي سعيد الخدري . ( 3 ) كنز العمال 10 / 28102 بألفاظ متقاربة ومقلوبة عن وكيع عن الثوري مرفوعا .